اسماعيل بن محمد القونوي

40

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

بعد علمهم بإخباره تعالى بأنهم لا يؤمنون فتكليفهم بالإيمان بعد علمهم بإخباره بأنهم لا يؤمنون تكليف باجتماع النقيضين ولذا قال بعض الأفاضل وإذعان ما وجد من نفسه خلافه مستحيل قطعا فليس في كلام المصنف التعرض لدفع هذا الوجه الذي اعتنى المستدل عليه ولو نظر إلى مجرد الإخبار واجتماع النقيضين بالنظر إلى ذلك كما جنح إليه بعض أرباب الحواشي وادعى أن في كلام المصنف إشارة إلى جواب الوجهين ولم يعتبر في الاستدلال علمهم بإخباره تعالى بأنهم لا يؤمنون لكان الوجهان متحدين في المآل فالجواب عنه ما قاله بعض المدققين من أن المحال إذعانه بخصوصه أنه لا يؤمن وإنما يكلف به إذا وصل إليه ذلك الخصوص وهو ممتنع وأما قبل الوصول فالجواب هو الإذعان الإجمالي إذ الإيمان هو التصديق إجمالا فيما علم إجمالا وتفصيلا فيما علم تفصيلا ولا استحالة في الإذعان الإجمالي لخلوه عن اجتماع الضدين فالأمر به ليس تكليفا بالمحال ولا يمكن لهم ذلك الإيمان الإجمالي علمه تعالى بخلافه فيكون ممتنعا بالغير فإذا لم يقع الإيمان الإجمالي منهم لا يخاطبون بالتفصيل إذ الإجمال الذي هو مقدم عليه غير واقع منهم حتى يخاطبوا بالتفصيل فاندفع إشكال بعض الفحول من قوله وما ذكروه في الكتب الكلامية من أن التكليف إنما هو بالإيمان الإجمالي دون التفصيلي لا يجدي بعد أن خوطبوا بالتفصيل وعلموه . قوله : ( وقد عبر عن إحداث هذه الهيئة بالطبع في قوله تعالى : أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ [ النحل : 108 ] ) غرضه أن التعبيرات المذكورة عبارة عن معنى واحد وهي الهيئة المذكورة فالتفصيل الجاري في ختم جار فيما عداه من طبع ونحوه استعارة في المفرد واستعارة تمثيلية وإن اختلفت العبارات بالاعتبارات والتعبير عن تلك الهيئة بالختم قد مر مشروحا وأما الطبع فهو تصوير الشيء بصورة ما كطبع السكة وطبع الدراهم فهو أعم من الختم مادة الافتراق مادة طبع الدرهم وفي كل ختم تصوير الشيء بصورة ما وأخص من النقش والطابع الخاتم وغيره مما يحصل به تصوير الشيء بصورة ما وقد يفسر الطبع بالختم فيكون مرادفا له والطبع الجبلة التي خلق عليها كالطبيعة لكن المستعار لتلك الهيئة الطبع بالمعنى الأول فتلك الهيئة من حيث إنها صورت بصورة مخصوصة تكون مانعة عن نفوذ الحق وتصير مشابهة بالطبع ولأجل هذا استعير له لفظ طبع أو مثل حال قلوبهم بحال أشياء صورت بصور جعل بينها وبين الانتفاع بها ( وبالإغفال في قوله تعالى : وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا [ الكهف : 28 ] ) عطف على قوله بالطبع أي وقد يعبر عن إحداث تلك الهيئة بالإغفال من حيث إن تلك الهيئة صارت سببا لكون قلوبهم غافلة عن ذكر الحق ( وبالإقساء في قوله تعالى : وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً [ المائدة : 13 ] ) أي حيث جعل اللّه قلوبهم قاسية أي وقد يعبر عن إحداث تلك الهيئة بالإقساء من حيث إن قلوبهم بعيدة عن الاعتبار إذ قساوة القلب مثل في نبوة عن الاعتبار وأصلها عبارة عن الغلظ مع الصلابة كما في الحجر فالأمور المذكورة من الختم وغيره متغايرة بالاعتبار متحددة بالذات والإقساء وإن لم يكن مذكورا بعينه في القرآن لكنه